عبد الشافى محمد عبد اللطيف
235
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
أبي العاص ، واستطاع أن يلم شمل الأمويين من جديد ، فبايعوه بالخلافة ، واستهل عهده بالإنتصار على أنصار عبد اللّه بن الزبير في معركة مرج راهط الشهيرة « 1 » ، واستطاع استعادة الشام ، كان أول ما فكر فيه بعد ذلك هو ضم مصر إلى الشام ، انطلاقا من فهم استراتيجي سليم ، وهو أنه إذا نجح في ضم مصر إلى الشام فلن تستطيع قوة أن تقف في طريقه وهذا ما حدث بالضبط ، فبعد أن نجح في استرداد مصر من عبد اللّه بن الزبير ، كان ذلك مفتاح نجاح خليفته وابنه عبد الملك في دحر قوات عبد اللّه بن الزبير ، بل دحر كل خصومه في العراق وبلاد فارس والحجاز ، وإعادة توحيد الدولة الإسلامية ( سنة 73 ه ) . حتى وصفه المؤرخون بأنه المؤسس الثاني للدولة الأموية . وهكذا أخذت هذه التجارب تؤكد أن التحام الشام ومصر في دولة واحدة يجعلها قوة كبيرة ذات تأثير خطير على مجريات الأمور في الشرق كله . فصلاح الدين الأيوبي نجح في الانتصار على الصليبيين في حطين وما بعدها ؛ لأنه تمكن من توحيد مصر والشام تحت حكمه ، وكان بدوره مدركا لأهمية ذلك ، ولم يبدأ عمله ضد الصليبيين إلا بعد أن تمكن من ضم الشام إلى دولته ، وعلى خطاه سار المماليك في مقاومة الصليبيين والمغول ، وانتصروا عليهم ، وطهروا أرض الإسلام منهم . وأعداء الأمة العربية والإسلامية يدركون ذلك جيدا فعندما قامت الوحدة بين مصر وسوريا في ( 22 فبراير سنة 1958 م ) فيما عرف بالجمهورية العربية المتحدة ؛ وعندئذ أدركت القوى الاستعمارية الغربية أن الخطر أصبح وشيكا على صنيعتهم إسرائيل التي زرعوها في بلادنا وخططوا لبقائها . وقالوا : إن إسرائيل أصبحت بين كسارة البندق ؛ سوريا من الشمال ومصر من الجنوب . لذلك لم يهدأ لكل القوى المعادية للعروبة والإسلام بال إلا بعد أن تمكنوا بكل الوسائل من فصل سوريا عن مصر في ( 28 سبتمبر سنة 1961 م ) . هذه هي عبر التاريخ ودروسه عن الارتباط الأمني الوثيق بين الشام ومصر . فالبيزنطيون أنفسهم كانوا مدركين لأهمية الارتباط بين الشام ومصر ، وهما تحت حكمهم ، خاصة في الشؤون البحرية « فكان التقسيم الإداري للدولة البيزنطية قبل ظهور الإسلام يجمع بين الشام ومصر في العمليات البحرية ، ويقضي بتعبئة أساطيلهما معا لإخضاع العناصر التي تشق عصا الطاعة على السلطات البيزنطية ، في
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 5 / 535 ) وما بعدها .